محمد داوود قيصري رومي

650

شرح فصوص الحكم

غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربك بمعرفتك إياها . أي ، أن العبد إذا عرف نفسه ثم عرف بمعرفته إياها ربه ، يكون صاحب معرفة واحدة . وهي عرفانك أنك عاجز فقير منبع للنقائص والشرور ، وأن ربك قادر غنى معدن الكمالات والخيرات . أو عرفت أنك موصوف بالكمالات المعارة عليك عمن هي له بالأصالة ، فعرفت أن ربك صاحب الكمالات الذاتية . أما إذا عرف ربه وعرف ظهوراته في المظاهر ثم رجع وتوجه إلى معرفة نفسه بربه ، يعرفها معرفة أخرى أتم وأكمل من الأولى ، لأنه عرفها أنها مظهر من مظاهر ربها ، كما قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حين سئل : بم عرفت ربك : ( عرفت الأشياء بالله ) . فيكون صاحب معرفتين : إحديهما ، معرفة بالرب والنفس من حيث نفسك ، وثانيهما ، معرفة بالرب والنفس من حيث ربك لا من حيث نفسك . والثانية هي الأتم من الأولى . فضمير ( به ) في الموضعين يعود إلى ( الرب ) . وكان الأنسب أن يقول : معرفة به وبك من حيث أنت - أي بالرب والنفس كما قال في الثانية - ومعرفة به وبك من حيث هو . والظاهر أنه حذفه اعتمادا لفهم السامع من قوله : ( فإذا . . . دخلت نفسك ، فتعرف نفسك معرفة أخرى ) . و ( الباء ) في ( به ) في الموضعين للصلة ، وفي ( بك ) للسببية . أي ، عرفته لسبب مظهريتك ، لا من حيث إنك مغائره ، بل من حيث إنك هو . أو تكون في ( بك ) للصلة ، وفي ( به ) للسببية . أي ، عرفت نفسك من حيث هو بسببه . ( فأنت عبد وأنت رب لمن له فيه أنك عبد ) أي ، فأنت عبد للإسم الحاكم عليك والظاهر فيك الذي يربك من باطنك . وأنت رب لذلك الاسم الذي بعينه أنت عبد له وفي حكمه ، تربه لقبول أحكامه وإظهار كمالاته فيك ، وذلك لأن لله تعالى ظاهرا وباطنا ، والربوبية لهما ثابتة . فكما أن الباطن يرب الظاهر بإفاضة أنوار الغيب وإظهار أحكام الأسماء الإلهية الغيبية عليه ، كذلك الظاهر يرب الباطن باستفاضة تلك الأنوار وقبولها وإظهار